فخر الدين الرازي

74

تفسير الرازي

يقال هذا من حق الله تعالى من حيث يكثر في قبول التوبة . فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه يحب تكثير التوبة مطلقاً والعقل يدل على أن التوبة لا تليق إلا بالمذنب ، فمن لم يكن مذنباً وجب أن لا تحسن منه التوبة . والجواب من وجهين : الأول : أن المكلف لا يأمن البتة من التقصير ، فتلزمه التوبة دفعاً لذلك التقصير المجوز الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني * ( التوبة ) * في اللغة عبارة عن الرجوع ورجوع العبد إلى الله تعالى في كل الأحوال محمود اعترض القاضي عليه بأن التوبة وإن كانت في أصل اللغة عبارة عن الرجوع ، إلا أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على ما فعل في الماضي ، والترك في الحاضر ، والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل فوجب حمله على هذا المعنى الشرعي دون المفهوم اللغوي ، ولأبي مسلم أن يجيب عنه فيقول : مرادي من هذا الجواب أنه إن أمكن حمل اللفظ على التوبة الشرعية ، فقد صح اللفظ وسلم عن السؤال ، وإن تعذر ذلك حملته على التوبة بحسب اللغة الأصلية ، لئلا يتوجه الطعن والسؤال . أما قوله تعالى : * ( ويحب المتطهرين ) * ففيه وجوه أحدها : المراد منه التنزيه عن الذنوب والمعاصي وذلك لأن التائب هو الذي فعله ثم تركه ، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه ، ولا ثالث لهذين القسمين ، واللفظ محتمل لذلك ، لأن الذنب نجاسة روحانية ، ولذلك قال : * ( إنما المشركون نجس ) * ( التوبة : 28 ) فتركه يكون طهارة روحانية ، وبهذا المعنى يوصف الله تعالى بأنه طاهر مطهر من حيث كونه منزهاً عن العيوب والقبائح ، ويقال : فلان طاهر الذيل . والقول الثاني : أن المراد : لا يأتيها في زمان الحيض ، وأن لا يأتيها في غير المأتى على ما قال : * ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) * ومن قال بهذا القول قال : هذا أولى لأنه أليق بما قبل الآية ولأنه تعالى قال حكاية عن قوم لوط * ( أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) * ( الأعراف : 82 ) فكان قوله : * ( ويحب المتطهرين ) * ترك الإتيان في الأدبار . والقول الثالث : أنه تعالى لما أمرنا بالتطهر في قوله : * ( فإذا تطهرن ) * فلا جرم مدح المتطهر فقال : * ( ويحب المتطهرين ) * والمراد منه التطهر بالماء ، وقد قال تعالى : * ( رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين ) * ( التوبة : 108 ) فقيل في التفسير : أنهم كانوا يستنجون بالماء فأثنى الله عليهم .